تعديلات قانون الأحوال الشخصية… بين تحقيق التوازن وحماية كيان الأسرة
في ظل التغيرات الاجتماعية والاقتصادية المتسارعة التي يشهدها المجتمع، تبرز الحاجة الملحة إلى إعادة النظر في التشريعات المنظمة للعلاقات الأسرية، وعلى رأسها قانون الأحوال الشخصية. وفي هذا السياق، تؤكد المستشارة هايدي فضالي أن أي تعديلات على هذا القانون يجب أن تستند إلى مبدأ أساسي لا يمكن تجاهله، وهو تحقيق التوازن داخل الأسرة، بحيث لا يكون هناك طرف رابح وآخر خاسر، بل تخرج جميع الأطراف بأقل قدر ممكن من الضرر.
الأسرة ليست مجرد إطار قانوني، بل هي كيان إنساني قائم على المودة والرحمة والمسؤولية المشتركة. ومن ثم، فإن أي تعديل تشريعي يجب أن يراعي هذه الطبيعة الخاصة، وألا ينحاز لطرف على حساب آخر، سواء كان الرجل أو المرأة أو حتى الأطفال، الذين غالبًا ما يكونون الأكثر تأثرًا بأي خلل في هذا التوازن.
إن التحدي الحقيقي أمام المشرّع لا يكمن فقط في تحديث النصوص القانونية، بل في صياغة مواد تحقق العدالة الواقعية، وليس النظرية فقط. فالقانون الذي لا يراعي اختلاف الظروف بين الحالات، ولا يضع في اعتباره الأبعاد النفسية والاجتماعية، قد يؤدي إلى نتائج عكسية، ويزيد من تعقيد النزاعات بدلًا من حلها.
وتشير فضالي إلى أن الحوار المجتمعي الشامل هو السبيل الأمثل للوصول إلى صيغة متوازنة للقانون، حيث يجب الاستماع إلى مختلف الأطراف المعنية، من متخصصين قانونيين واجتماعيين، إلى ممثلي المجتمع المدني، وصولًا إلى المواطنين أنفسهم، الذين يعيشون هذه القضايا بشكل يومي.
كما أن إدخال آليات مرنة في القانون، مثل التوسع في التسويات الودية، وتفعيل دور مكاتب الإرشاد الأسري، يمكن أن يسهم في تقليل حدة النزاعات، والحفاظ على استقرار الأسرة قدر الإمكان.
في النهاية، تبقى الغاية الأساسية من أي تعديل في قانون الأحوال الشخصية هي حماية كيان الأسرة، باعتبارها النواة الأولى للمجتمع. وتحقيق هذا الهدف يتطلب رؤية متوازنة، تراعي الحقوق والواجبات، وتضع مصلحة الأسرة ككل فوق أي اعتبارات أخرى.
فالقانون العادل ليس ذلك الذي يُرضي طرفًا دون آخر، بل الذي يُنصف الجميع، ويحفظ الاستقرار، ويقلل من الخسائر الإنسانية بقدر الإمكان.



